الغزالي
87
الأربعين في اصول الدين
[ فصل من البواعث على طلب الجاه حب المدح ] من البواعث على طلب الجاه حب المدح ، فإن الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه : أحدها ، انه يشعر صاحبه بكمال نفسه ، والشعور بالكمال لذيذ ؛ لأن الكمال من الصفات الإلهية . والثاني ، أنه يشعر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخرا له . الثالث ، أنه يشعر صاحبه بأن المادح يصغي إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه . فكذلك إذا صدر المدح من بصير بصفات الكمال واسع الجاه والقدرة في نفسه ، وكان على ملأ من الناس ، تضاعفت لذة المدح . وتزول اللذّة الأولى بأن يصدر عن غير أهل البصيرة ، فإنه لا يشعر بالكمال ، وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدرة له ، لأن ملك قلبه لا يعتدّ به . وتزول الثالثة بأن يمدح في الخلوة لا في الملأ ، إلا من حيث يتوقع أنه أيضا ربما يمدح في الملأ . وأما الذم ، فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب . وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم ، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية . وعلاج ذلك أن يتفكر في اللذة الأولى ، فإن مدح بكثرة المال والجاه فيعلم أنه كمال وهميّ ، وهو سبب فوات كمال حقيقي ، فهو جدير بأن يحزن لأجله ، لا أن يفرح به . وإن مدح بكمال العلم والورع ، فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات ويشكر اللّه تعالى عليها لا يشكر غيره ، هذا إن كان متصفا به ، وأما إن كان غير متصف به ، ففرحه به حماقة كفرح من يثني عليه غيره ويقول : ما أطيب العطر الذي في أحشائك أو أمعائك ، وهو يعلم ما فيها من الأقذار والأنتان . وهذا حال من يفرح من المدح بالورع والزهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خال عنه . وأما اللذة الثانية والثالثة ، وهو لذة الجاه عند المادح وغيره ، فعلاجه ما ذكرناه في حب الجاه . الأصل السابع حب الدنيا : واعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة . وليس الدنيا عبارة عن المال والجاه فقط ، بل هما حظّان من حظوظ الدنيا ، وشعبتان من شعبها ؛ وشعب الدنيا كثيرة . ودنياك عبارة عن حالتك قبل الموت ، وآخرتك عبارة عن حالتك بعد الموت . وكل ما لك فيه حظ قبل